*إتحاد الأدباء العراقيين:
ذاكرة الحبر والكلمة وروح العراق وهُويته التي لا تموت*
*كتبت : نضال شهاب*
هذا هاتف نازك الملائكة، وتلك قبعة مظفر النواب، وذاك المذياع الذي رافق محمد مهدي الجواهري في ليالي البوح الطويلة، وتلك العمامة التي كانت تاجًا فوق رأس مصطفى جمال الدين...
هنا قلم بدر شاكر السيّاب الذي خط به قصائده الأولى في الشعر الحر، وهناك نظارات عبد الوهاب البياتي التي شهدت تأملاته في المنافي البعيدة، وبجانبها آلة الطباعة التي ترك عليها عبد الرزاق عبد الواحد بصمات يديه الشاعرتين.
وفي زاويةٍ أخرى، تبتسم صور محمود البريكان الصامتة، وتلك كرسي شفيق الكمالي التي أحتفظت بظل الجلسات الأدبية القديمة. وعلى الرف المقابل، يلمع عود زهير الدجيلي كأنه ما زال يعزف للروح العراقية، وإلى جواره أوراق حسين مردان التي تفوح منها رائحة التمرّد والإبداع...
وذاك إبريق الشاي رفيق علي جواد الطاهر في لياليه الطويلة مع القصيدة، وهذه نفائس المتنبي وقصائده التي تهمس بأنه لا يزال يمر بين الجدران متجسدًا في كلمات الأجيال .
وهذه زيارتي الميدانية لمتحف الأدباء العراقيين ، حيث تزدان القاعة بمنحوتات لعمالقة الأدب العراقي، ودروعٍ تكريمية نالها بعضهم في مناسبات أدبية متفرّقة، دروعٌ قليلة بعددها، متواضعة بقيمتها المادية، لكنها تنطق بعتبٍ خفيّ على زمنٍ يُهمّش فيه الكبار، فيُكرّم الأديب حين يُنسى، وتُغدق الجوائز على من لا يستحقّها.
كل زاوية من هذا المكان تحكي حكاية، وكل قطعة تحفظ شيئًا من روح صاحبها. هذه ليست مقتنيات عادية، بل ذاكرة العراق الأدبية الحيّة وهويته الثقافية، التي تزيّن في متحف اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، ذاك الصرح الثقافي الذي يحتضن إرث الكلمة وأبطالها.
يُعدّ اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق من أعرق المؤسسات الثقافية في الوطن العربي، فكما أخبرني أمينه العام الدكتور علي فواز أنه تأسّس في بغداد عام 1959 ليكون منبرًا حرًّا للأدب والفكر، وبيتًا يلتقي فيه الشعراء والكتّاب من مختلف الاتجاهات والتيارات.
يقع مقره اليوم في شارع أبو نؤاس المطلّ على دجلة، حيث ما زال الأدباء يجتمعون أسبوعيًا في أمسيات شعرية وثقافية يحتفي بها الوسط الثقافي العراقي والعربي.
ووأوضح فواز أن إدارة ال‘تحاد تنظم سنويًا مهرجانات شعرية وندوات نقدية ومعارض كتب، إلى جانب فعاليات تُكرِّم رموز الأدب العراقي الراحلين، ويسعى من خلال متحفه إلى صون الميراث الإبداعي للأدباء وحفظ آثارهم من الضياع، كما وتعمل إدارة الإتحاد عاية الأدباء العراقيين ودعم نتاجهم الفكري والأدبي داخل العراق وخارجه، مشيدًا بالجهود المبذولة في جمع مقتنيات الأدباء الراحلين وحفظها لتبقى شاهدًا على عظمة الإبداع العراقي.
ويشكّل المتحف التابع للاتحاد فضاءً فريدًا يروي سيرة الشعراء والكتّاب الذين تركوا بصمة خالدة في الوجدان العراقي والعربي، من بدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البيّاتي إلى مظفّر النوّاب ونازك الملائكة، ومن محمد مهدي الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد إلى مصطفى جمال الدين، ويمتدّ الحضور إلى معروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، والشريف الرضي، ومحمد توفيق السماوي، وسواهم من الكبار الذين صاغوا هوية الأدب العراقي الحديث ورفعوا رايته عاليًا بين الأمم.
خرجت من متحف اتحاد الأدباء والكتّاب وأنا أستشعر عبق الكلمات التي خُلّدت في الذاكرة العراقية. في كل ركنٍ ظلّ صوت شاعرٍ حيًّا، وفي كل قطعةٍ ذكريات وطنٍ كتب تاريخه بالحبر والقصيدة.
فهناك، وبين تلك الجدران، أدركت أن الأدب ليس مجرد كلمات، بل روح العراق وهُويته التي لا تموت.


